ابن عجيبة

337

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

يقول الحق جل جلاله : إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ أي : بحججه الدالة على توحيده ، وصحة نبوة رسله ، أو بكلامه ، وهم اليهود ، وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ بل بغيا وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بالعدل وترك الظلم من الأحبار ، فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ موجع ، أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ أي : بطلت ، فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فلا ينتفعون بها في الدارين ، وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ يمنعونهم من العذاب . وعن أبي عبيدة بن الجراح رضي اللّه عنه قال : سألت النبي صلّى اللّه عليه وسلم أىّ النّاس أشدّ عذابا يوم القيامة ؟ قال : « رجل قتل نبيا ، أو رجل أمر بالمنكر ونهى عن المعروف ، ثم قرأ النبي صلّى اللّه عليه وسلم وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ الآية ، ثم قال : يا أبا عبيدة ، قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا أوّل النّهار في ساعة ، فقام مائة وعشرون من عبّاد بني إسرائيل فأمروهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر ، فقتلوهم جميعا من آخر النّهار من ذلك اليوم ، فهم الذين ذكرهم في كتابه ، وأنزل الآية فيهم » . ه . من الثعلبي . الإشارة : ذكر في الآية الأولى تشجيع المريدين ، وأمرهم بالصبر والتسليم لإذاية المؤذين ، وذكر هنا وبال المؤذين الجاحدين لخصوصية المقربين ، فالأولياء والعلماء ورثة الأنبياء ، فمن آذاهم فله عذاب أليم ، في الدنيا ؛ بغم الحجاب وسوء المنقلب ، وفي الآخرة ؛ بالبعد عن ساحة المقربين ، وبالسقوط إلى درك الأسفلين ، واللّه تعالى أعلم . ومن مساوئ اليهود أيضا إعراضهم عن الحق إذا توجه إليهم ، كما أشار إلى ذلك الحق تعالى ، فقال : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 23 إلى 25 ] أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ ( 23 ) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ( 24 ) فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 25 ) قلت : التنكير في ( نصيب ) ؛ يحتمل التحقير والتعظيم ، والأول أقرب . وجملة : ( وهم معرضون ) ؛ حال من ( فريق ) ؛ لتخصيصه بالصفة . يقول الحق جل جلاله : أَ لَمْ تَرَ يا محمد ، أو من تصح منه الرؤية ، إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ وهم : اليهود ، تمسكوا بشئ من التوراة ، ولم يعملوا به كلّه ، كيف يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ القرآن لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ فيما اختلفوا فيه من أمر التوحيد وصحة نبوته - عليه الصلاة والسلام ، فأعرضوا عنه ، أو المراد بكتاب اللّه : التوراة . قال ابن عباس رضي اللّه عنه : ( دخل النبي صلّى اللّه عليه وسلم على جماعة من اليهود ، فدعاهم إلى اللّه تعالى ، فقال نعيم بن عمرو والحارث بن زيد : على أىّ دين أنت يا محمّد ؟ قال : « على ملّة إبراهيم » قالا : إنّ إبراهيم كان